الجمهورية السورية الثانية​
عاشور لا ثالوث​
​​
بقلم طالب صابوني




تحكم أنظمة المنطقة العربية نوادٍ ثلاث، نادي الفتوات ونادي رجال الدين ونادي التجار. ولا توجد في المنطقة نوادٍ حقيقية لغير هؤلاء

الذين يشكلون ثالوث مقدس للتحكم في شعوبها وثرواتها ومستقبلها.
في سوريا، ومع هبوب ريح الإنتفاضة في المنطقة، هرب التجار وإنحل ناديهم وإنقسم نادي رجال الدين وتطاول العامة وصغار الفتوات على نادي الفتوات أملا في السيطرة أو المشاركة، ودخلت سوريا في دوامة عنف لم يشهد مثلها العالم من زمن طويل، وأغلب من يدفع ثمنها هؤلاء الذين لا حظوة لهم في هذا الثالوث من عامة الشعب.
لا توجد في سوريا أحزاب سياسية أو أندية للمعلمين أو الاطباء أو رجال القانون أو المهندسين أو الصناعيين أو المزارعين أو غيرها من أندية النخب السورية، وإنما توجد هياكل حزبيه ونقابية ملحقة بأندية الثالوث المقدس. وليصل أحد هؤلاء لطموح أو مصلحة ما، لا بد أن يكفله نادي من أحد نوادي الثالوث ليصبح إما مخبراً لنادي الفتوات أو سمساراً لنادي التجار أو مبشراً لنادي رجال الدين. وهكذا أصبحت غالبية النخب ملحقة برعاع الثالوث المقدس، لا نخبها، وتراجعت سوريا مع الفوضى، فوق تراجعها،في كل مؤشرات العالم، حتى باتت من أكثر الدول تخلفاً، وتكاد تعلن دولة فاشلة عالمياً.
وأساس الهياكل النقابية نوادٍ مستقلة لنخب سوريا كل في إختصاصه، يؤدون قسم المهنه في خدمة الوطن عند إنضمامهم للنادي كما يفعل الفتوات في المدارس الحربية! لكنه تم الإنقضاض عليها في سبعينات القرن المنصرم وتم تفريغها من أهدافها النبيلة في المشاركة في بناء الدولة ومساعدة إدارتها بما يتناسب والقيم المسكونية الحديثة لكوكبنا الصغير من توفير السكن والتعليم والصحة والعدالة وتكافؤ الفرص لكل المواطني

ولحسن الحظ، إكتفى الثالوث المقدس بتفريغ تلك النقابات من أدوارها ولم يلغيها حيث إستخدمها شكلياً لإدعاء التماشي مع القيم المسكونية الحديثة للعالم وأمام الهيئات العالمية والمدنية منها خاصة والتي يمكن أن تحرج حكوماتها البراغماتية لتعاملها مع هذا الثالوث الذي نجح أغلب سكان الأرض في التخلص منه أو تطويره.
في ظل الأزمة الانسانية الكبيرة في سوريا، مازال العالم يبحث عن حلول للأزمة في ظل الثالوث القدس! المعارضة والمولاة، كوفي أنان والأخضر الإبراهيمي، قطر وتركيا، إيران والعراق، روسيا وفرنسا وأميركا. إجماع منقطع النظير على هذا الثالوث وكأن المشكلة تكمن في الأشخاص لا في الثالوث! وبالفعل تمت شخصنة الأزمة في سوريا لحماية الثالوث!
جميع الحلول المطروحة اليوم من النظام والمعارضة واحدة خلاصتها الصراع على التمثيل الشرعي والوحيد للثالوث المقدس! ومن ينجح من الفتوات ورجال الدين بهذا التمثيل سيسعى لاحقاً لإعادة إستقطاب التجار الهاربين لإعادة إنتاج الثالوث الرهيب الذي سيحاصر العامة مرة أخرى ولأجيال قادمة!
لكن طول الصراع في سوريا وهرب التجار إلى دول مجاورة ودخولهم في إستثمارات طويلة الأجل في موطن رأس المال الجديد، يعني أن الثالوث لن يستطيع أن يتمم أضلاعه ليعود ويحاصر العامة بالسرعة اللازمة لتحاشي السقوط في سيناريو الدولة الفاشلة ولو فاز أحد أطراف الفتوات بالتمثيل الشرعي والوحيد. لقد إنكشف الوطن مع وجود الثالوث فكيف يكون بثالوث ناقص؟!
ولا بد من التنويه هنا إلى أن ما حدث في مصر، حيث خمسة وسبعون بالمائة ممن صوت للدستور بمواده المئويه المختلف عليها لا يعرف القراءة والكتابة، لا يتعدى استبدال الفتوة بفتوة جديد وإعادة إحياء للثالوث! لقد بقيت في مصر أضلاع الثالوث سليمة لسرعة تدارك الوضع من قبل الجيش وبتبديل الفتوة!
الثالوث المقدس هو النظام القديم، أضلاعه طويلة وزواياه حادة تجرح كل من يقترب منها! وللثالوث نظام وأصول شرحها الكثيرون من ميكافيللي إلى نجيب محفوظ! لكن في سوريا حدث أن تطاول الفتوة على دور التاجر، وإشترى التجار أدوار الفتوات وإلتهى رجال الدين عن قياس حرارة الشارع، فلا حرارة الغليان وصلت للفتوات التجار ولا إرتدع التاجر الفتوة من سخط الشارع، وإختلطت
الأدوار وإنقسمت البلد وضاعت في صراع الفتوات وإنقسام رجال الدين وهروب التجار!
بقي في البلد الفتوات ورجال الدين والشعب المنكوب! فهل نسعى لإنتاج ثالوث جديد ينتج لأولادنا كابوساً جديداً؟ هل نقسم البلد لثالوثات جديدة تنتج كوابيساً لكل جهة على حدى؟
ربما المشكلة تكمن في شكل المثلث الذي نريده أن يحيط بالوطن؟ في أضلاعه الطويلة وزواياه الحادة! في الغاية التي تبرر الوسيلة من نار ورعب ودماء! هل نبحث على شكل جديد يضم الوطن وجميع أبناءه؟ لماذا ثالوث؟ لماذا لا يكون "عاشور"؟
تخيلوا أن يحكمنا نظام معشر الأضلاع، أضلاعه قصيرة ومتساوية وزواياه منفرجه لا تجرح الوطن! طاولة بعشرة أضلاع كل ضلع يجلس عليه ممثلين عن كل محافظة سورية، فيه ضلع للفتوات، وضلع للمعلمين، وضلع الأطباء وعمال الصحة، وضلع القضاة ورجال القانون، وضلع المثقفين والمبدعين لينيروا لنا الطريق، وضلع المهندسين وعمال البناء ليبنوا ما دمرناه بأيدينا، وضلع المزارعين والفلاحين وضلع الإقتصاديين الوطنيين وعمال الصناعة وضلع للخبرات الكبيرة من المغتربين وضلع لرجال الدين ضمانة الأمن والتصالح وأخيراً ضلع للتجار اللذين لا بد أن يعودوا إذا حققنا لهم ضمانات لرؤوس أموالهم.
هؤلاء يكونون نواة الحوار، مائة وأربعون شيخاً من نخب سوريا، يشكلون لجان لدراسة الأمور الأمنية والعدلية والإقتصادية والعلاقات الخارجية إضافة للتعليم والتنظيم والصحة، هؤلاء نواة الجمهورية الثانية.
لكن كيف نفعّل هؤلاء، كيف نعيد إنتاج النقابات والنوادي لتكون أساس الجمهورية الثانية؟ وكم من الوقت يستغرق ذلك؟ وكيف نوقف دورة العنف؟ ومن نحمله مسؤوليتها وكيف؟



هل يساعدنا الأخصر الإبراهيمي ومن وراءه، ويتبنى فكرة العاشور بدلاً من الثالوث؟ إنها نفس لغة الأرقام التي تبناها هو وسلفه ومؤتمر جنيف في خطة النقاط الستة التي طبلت لها كل وسائل الإعلام على نغم الدم السوري!
هل يبادر مقام رئاسة الجمهورية بتبني العاشور بعد أن فقد الثالوث ضلعه الثالث ويعلن أن النقابات مستقلة ولا شخص واحد يجمع ألقاب الضابط الأول والطبيب الأول والقاضي الأول والمثقف الأول والمهندس الأول ؟ هل تكون البداية من هناك؟
هل تتجرأ النقابات في إعلان إستقلاليتها عن الفتوات؟ هل تتجرأ النقابات في إعلان أن النقابي الأول هو النقابي الحقيقي المنتخب؟
في حال ذلك، الهياكل جاهزة والنقابات موجودة وتعرف كيف تجري إنتخابات حقيقية ولا تمانع إشرافاً دولياً! ويمكن خلال أسابيع أن تكون جاهزه لطاولة حوار مفيدة توقف حمام الدم.
في هذه الطاولة لا يجلس الفتوات بمواجهة الفتوات، ولا رجال الدين في مواجهة أمثالهم من الطوائف الأُخرى، ولا ما بقي من تجار في مواجهة بعضهم، يجلس الجميع لإقرار كيف نوقف نزيف الدم وإطعام الجياع وإيواء المشردين .
طاولة الحوار هذه لا جهويّه ولا طائفية ولاحزبية ، تكون ممثلة لكل مصالح السوريين، قراراتها ملزمة وواجبة التنفيذ. من هذه الطاولة ننتج حكومة ودستور من هذه الطاولة معشرة الأضلاع نقرر الإنتخابات والإستفتاءات!

 

هذه ليست مجرد مقالة للقراءة، إنها دعوة عامة للتحرك في هذا المسار لإنقاذ ما أمكن من أرواح تزهق وأعراض تسفك وأملاك تهدم. إنها رسالة مفتوحة لرئيس الجمهورية وللنقابات والأحزاب الموالية والمعارضة. إنه نداء للأخصر الإبراهيمي، لكل ذي ضمير. إنها سوريا مهد الإنسانية تحترق، فهل من مج